أبو الليث السمرقندي
129
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ النحل : 126 ] ؛ ثم صارت هذه الآية حكما في جميع الجنايات . إن من جنى على إنسان أو في ماله ، فله أن يجازيه بمثل ذلك بظاهر هذه الآية : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . ثم قال وَاتَّقُوا اللَّهَ عن الاعتداء قبل أن يعتدوا عليكم وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ، يعني يعين من اتقى الاعتداء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 195 ] وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 195 ) وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، أي في طاعة اللّه . قال ابن عباس : وذلك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما أمر الناس بالخروج إلى الجهاد ، قام إليه ناس من الأعراب حاضري المدينة فقالوا : بما ذا نجهز ؟ فو اللّه ما لنا زاد ولا يطعمنا أحد . فنزل قوله تعالى : وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، يعني تصدقوا يا أهل الميسرة في سبيل اللّه أي في طاعة اللّه . وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، يعني ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة فتهلكوا وهكذا قال مقاتل . ومعنى قول ابن عباس ولا تمسكوا عن الصدقة فتهلكوا ، أي لا تمسكوا عن النفقة والعون للضعفاء ، فإنهم إذا تخلفوا عنكم غلب عليكم العدو فتهلكوا . ومعنى آخر : ولا تمسكوا ، فيرث منكم غيركم فتهلكوا بحرمان منفعة أموالكم . معنى آخر : ولا تمسكوا ، فيذهب عنكم الخلف في الدنيا والثواب في الآخرة . ويقال : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، يعني لا تنفقوا من حرام ، فيرد عليكم فتهلكوا . وقال الزجاج : التهلكة : معناه الهلاك . يقال : هلك يهلك هلاكا وتهلكة . معناه إن لم تنفقوا عصيتم اللّه فهلكتم . وروي عن البراء بن عازب ، أن رجلا سأله عن التهلكة فقال : أهو الرجل إذا التقى الجمعان ، فحمل فيقاتل حتى يقتل ؟ قال : لا ولكن الرجل يذنب ثم لا يتوب . وقال قتادة قيل لأبي هريرة : ألم تر سعد بن هشام لما التقى الصفان حمل فقاتل حتى قتل ، ألقى بيده إلى التهلكة ؟ فقال أبو هريرة : كلا واللّه ولكنه تأويل آية من كتاب اللّه : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ [ البقرة : 207 ] وقال أبو عبيدة السلماني : التهلكة أن يذنب الرجل فيقنط من رحمة اللّه فيهلك . وروي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال : نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار ، إنا لما أعز اللّه دينه وكثرنا قلنا فيما بيننا : إن أموالنا قد ضاعت ، فلو أقمنا فيها وأصلحنا منها ما ضاع ؛ فأنزل اللّه تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ، فكانت التهلكة في الإقامة التي أردنا أن نقيم في أموالنا ونصلحها ، فأمرنا بالغزو . ثم قال تعالى : وَأَحْسِنُوا ، أي أحسنوا النفقة من الصدقة . إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ في النفقة ويقال : وأحسنوا في النفقة ، أي أخلصوا النية في النفقة . ويقال : أحسنوا الظن باللّه تعالى فيما أنفقتم ، إنه يخلف عليكم في الدنيا ويثيبكم في الآخرة .